عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
85
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الحق سبحانه وتعالى ، لكن لما نسبت إلينا كان الحديث اللازم لنا لازما لوصفنا بأن الإرادة مخلوقة يعني إرادتنا وإلا فهي بنسبتها إلى اللّه تعالى عين الإرادة القديمة التي هي له ، وما معناها من إبراز الأشياء على حسب مطلوبها إلا لنسبتها إلينا ، وهذه النسبة هي المخلوقة ، فإذا ارتفعت النسبة التي لها إلينا ونسبت إلى الحق على ما هي عليه له انفعلت بها الأشياء فافهم . كما أن وجودنا بنسبته إلينا مخلوق وبنسبته إلى اللّه قديم ، وهذه النسبة هي الضرورية التي يعطيها الكشف والذوق أو العلم القائم مقام العين فما ثم إلا هذا فافهم . واعلم أن الإرادة لها تسعة مظاهر في المخلوقات : المظهر الأول هو الميل ، وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه ، فإذا قوي جدا سمي ولعا ، وهو المظهر الثاني للإرادة ، ثم إذا اشتدّ وزاد سمي صبابة ، وهو إذا أخذ القلب في الاسترسال فيمن يحبّ فكأنه انصبّ كالماء إذا فرغ لا يجد بدا من الإنصباب ، وهذا هو المظهر الثالث للإرادة ، ثم إذا تفرّغ له بالكلية وتمكن ذلك منه سمي شغفا ، وهو المظهر الرابع للإرادة ، ثم إذا استحكم في الفؤاد وأخذه عن الأشياء سمي هوى ، وهو المظهر الخامس ، ثم إذا استوفى حكمه على الجسد سمي غراما ، وهو المظهر السادس للإرادة ، ثم إذا نما وزالت العلل الموجبة للميل سمي حبا ، وهو المظهر السابع ، ثم إذا هاج حتى يفني المحب عن نفسه سمي ودّا ، وهو المظهر الثامن للإرادة ، ثم إذا طفح حتى أفنى المحبّ والمحبوب سمي عشقا ، وفي هذا المقام يرى العاشق معشوقه فلا يعرفه ولا يصيخ إليه كما روى عن مجنون ليلى أنها مرّت به ذات يوم فدعته إليها لتحدثه ، فقال لها : دعيني . فإني مشغول بليلى عنك وهذا آخر مقامات الوصول والقرب فيه ينكر العارف معروفه ، فلا يبقى عارف ولا معروف ولا عاشق ولا معشوق ولا يبقى إلا العشق وحده ؛ والعشق هو الذات المحض الصرف الذي لا يدخل تحت رسم ولا نعت ولا وصف ، فهو أعني العشق في ابتداء ظهوره ، يفني العاشق حتى لا يبقى له اسم ولا رسم ولا نعت ولا وصف فإذا امتحق العاشق وانطمس أخذ العشق في فناء المعشوق والعاشق ، فلا يزال يفني منه الاسم ثم الوصف ثم الذات فلا يبقى عاشق ولا معشوق ، فحينئذ يظهر العاشق بالصورتين ويتصف بالصفتين ، فيسمى بالعاشق ويسمى بالمعشوق ، وفي ذلك أقول : العشق نار اللّه أعني الموقدة * فأقولها فطلوعها في الأفئدة نبأ عظيم أهله هم فيه مختلفون أعني في المكانة والجده